موجز الأخبار

مذكرات امرأة سيئة السمعة – الحلقة 3: بداية رحلتي إلى مخيم جهاد النكاح (الجزء الأول)

مذكرات امرأة سيئة السمعة – الحلقة 3: بداية رحلتي إلى مخيم جهاد النكاح (الجزء الأول)

تنبيه هام:

هذه المذكرات غير مقتبسة من فيلم أو مسلسل. وغير مستوحاة من رواية أو قصة.

هي مذكرات غير موضوعية وغير محايدة، قد تكون حقيقية وقد تكون من وحي الخيال وأي تشابه بينها وبين الواقع فهو من محض الصدفة فقط.

وللإشارة، فإن هذه المذكرات للكبار فقط، وقد تتضمن محتوى قد لا يلائم الجمهور الناشئ وبعض الفئات المجتمعية.


نذكّر قراءنا الكرام، أن الحلقة السابقة انتهت في مشهد يحبس الأنفاس، عندما حاصر “مول الشاقور” الطفلة سميرة (صاحبة المذكرات) في أحد الدروب الضيقة، حاملا “الشاقور” عاليا وكان يستعد لينهال عليها بضربة قاتلة، إلا أن مفاجأة حدثت في تلك اللحظة.

الحلقة 3 (الجزء الأول): بداية رحلتي إلى مخيم جهاد النكاح !

كان قادما نحوي بخطوات متأنية، حاملا “الشاقور” عاليا، بينما كنت جامدة في مكاني والذهول يشع بريقا من عيني، منتظرة أن ينهال على رأسي بضربة قاتلة، في مشهد يحبس الأنفاس، لكن مفاجأة حدثت حينها، وشاءت العناية الإلهية والألطاف الربانية أن تحيطني من حيث لا أدري، فبعثت إلي بملاك آدمي أنقذني في آخر لحظة… لقد سقط “مول الشاقور” أرضا مضرجا في دمائه، بعد أن أصابته رصاصات مسدس شرطي –كان على مقربة من المكان-فأردته قتيلا، وأغمي علي بعدها.

لم أعلم ماذا حصل بعد ذلك، حتى استيقظت ووجدت نفسي مستلقية على أريكة بمخفر الشرطة، محاطة برجال الأمن، بينما كان رئيسهم يحاول بعطف الأبوة التخفيف من وجع المصيبة التي لحقت بي.

وبعد أن استطاع رئيس المخفر بحنكته وحسن معاملته، التهدئة من روعي وحدّة الصدمة التي كنت تحت تأثيرها، جراء لحظات الرعب التي عشتها ذلك اليوم، شرع رجال الشرطة في استجوابي عن تفاصيل الفاجعة التي أودت بحياة أمي وعن وقائع مطاردة “مول الشاقور” لي.

لم يكن الأمر سهلا على الإطلاق، وأنا في تلك اللحظات كنت لازلت أحاول استيعاب ما حدث لأمي “السعدية”، حيث لم يفارق ذلك المشهد الدموي عيني أبدا، لكن لطف ورفق رجال الشرطة في طريقة تعاملهم واستجوابهم لي، كانا كفيلان بأن أحكي لهم عن تفاصيل الهول الذي شاهدته وتعرضت له.

حكيت لهم عن كل شيء، وحكيت عن تفاصيل الظروف التي نشأت فيها وعن معاناة أمي وعن العلاقة التي كانت تجمعنا بـ”مي الباتول”، هذه الأخيرة التي هرمت وكانت تمر آنذاك من أزمة صحية قاسية.

كانت الواقعة محيرة للغاية بالنسبة لرجال الشرطة وحيثياتها بدت وقتها في منتهى الغموض، وعليه أقفل المحضر وقيدت الجريمة ضد مجهول. هذا الأخير الذي لم أتصور يوما، أن أقدار الله الحق العدل عز وجل، ستشاء أن يصير معلوما وأكتشفه بعد عشرات السنوات، وأنتقم منه أشد انتقام. قاتل أمي الذي سأكشفه لكم في القادم من الحلقات.

وبحكم أنني صرت “مقطوعة من شجرة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد كان مصيري هو دار الأيتام، أما “مي الباتول” فهي أصلا كانت بحاجة إلى من يسهر على رعايتها وهي في عز أزمة صحية ألمت بها آنذاك.

دخولي إلى دار الأيتام كان بالنسبة لي بداية لحياة البؤس والمآسي. كانت نقطة الانطلاقة التي دخلت من خلالها إلى عوالم ظاهرها رحمة وباطنها عذاب، لكن في المقابل، كانت أيضا مرحلة فاصلة في طفولتي، تفطن فيها وعي بسرعة وأجبرتني ظروفها على استباق سني.

وبعيدا عن كل ما كنا نتعرض له من قساوة المعاملة وسوء الاستغلال -بشتى أنواعه-، كان هناك أمر آخر أكثر وجعا وفظاعة بالنسبة لي، وهو فقدان الهوية والأصل. فبمجرد دخولي إلى ذلك المكان، لم أعد “بنت السعدية” البريئة الجميلة والمحبوبة المبشورة التي كان يشفق عليها أهل الحي، بل صرت حاملة للقب “بنت الزنقة” و”بنت الحرام”، و”اللقيطة”، وهذا أسوء وأبشع ما يمكن للمرء أن يواجهه في حياته ويشعر به في كل لحظة وحين.

كانت الأيام في الدار متشابهة، باستثناء يوم الجمعة، الذي كان بالنسبة لي ولأطفال الدار بمثابة “عيد”، كنا ننتظره على أحر من الجمر، لنتناسى فيه لحظات العذاب والقسوة التي عشناها طيلة الأسبوع.

في ذلك اليوم بالتحديد، كانت مجموعة من الأشخاص تأتي لزيارة الدار وقضاء ساعات طوال برفقتنا، وكانوا يقدمون أنفسهم على أنهم مجموعة من “المحسنين”، هدفهم إسعاد اليتامى وإدخال الفرحة والسرور على قلوب ذاقت الحرمان وتجرعت مرارته.

كانوا يمضون معنا اليوم بأكمله تقريبا، وكانوا ينادوننا طوال الوقت بأحباب الله وكانوا يغدقون علينا بما لذ وطاب من الأكل والشراب، ويوزعون علينا أغطية دافئة وملابس جميلة، لم نكن نحلم بها من قبل.

كانوا يخاطبوننا بكلام لم نكن نفهم منه الشيء الكثير، لكن في عمومه كان كلاما معسولا تطمئن له القلوب بسرعة. وكانوا يحدثوننا عن كيف يجب أن نكون بذرة صالحة وسط مجتمع يحيطه الفساد من كل ناحية، وكيف نصير جنود الله فوق الأرض للتصدي لكل مظاهر الفسق والفجور.

وفي كل مرة كانوا يأتون فيها لزيارتنا، كانوا يحدثوننا عن مفاجأة في انتظارنا حين سيحل فصل الصيف، قالوا عنها أنها فرصة العمر التي لا يجب تفويتها، وأنها ستغير في حياتنا الشيء الكثير. وطبعا كان الجميع متشوقا لأن يكتشف المفاجأة الموعودة، حتى أن البعض منا كان يسيل من فمه اللعاب وهو يسمع من أولئك “المحسنين” وعودا وردية خيالية من مغريات وامتيازات لا تعد ولا تحصى، خصوصا وأننا لم نلقى منهم على امتداد شهور، سوى الخير والإحسان.

جاء اليوم الذي سيفصحون فيه عن “المفاجأة”، وسألونا في البداية، إن كان أحد منا قد سبق له أن قضى أياما في الشاطئ أو داخل مخيم صيفي، وطبعا الإجابة كانت أن لا أحد منا سبق له أن رأى الشاطئ إلا في مخيلته، ليردوا بعدها بعبارة لازلت أتذكرها إلى يومنا هذا: “أبشروا يا أحباب الله، سنسطحبكم الأسبوع المقبل إلى مخيم صيفي على شاطئ البحر”… وإذا بفرحة عارمة عمت أرجاء الدار وغمرت السعادة قلوب الأطفال فزاد شوقهم إلى اليوم الذي سيغادرون فيه الدار صوب الشاطئ، ليكتشفوا أول مرة ماذا يعني فصل الصيف؟

أما أنا، فقد كنت أمعن النظر في تلك المشاهد، منزوية بعيدة في أحد الأركان، ورغم أنني كنت مسرورة كباقي زملائي لسماعي تلك المفاجأة، إلا أن إحساسا غريبا انتابني في تلك اللحظات، كأنه صوت روحاني يهمس في أذني ويحذرني قائلا: “هل تعلمين ما ينتظرك هناك؟”.

وفجأة، ساد صمت رهيب في المكان، بعد أن دخل رجل كان يرتدي جلبابا أبيضا وملامحه تبدو لي من بعيد مألوفة، فتهافت عليه أولئك “المحسنين” لتقبيل يده والسلام عليه، وما إن ألقى علينا التحية قائلا: “السلام عليكم”، حتى انفزعت من مكاني… “يا إلهي، إنه هو !!”.

فمن كان يا ترى الشخص الذي دخل حينها؟ وكيف ستقضي الطفلة البريئة المسكينة “سميرة” أولى أيام الهول والعذاب في مخيم جهاد النكاح على شاطئ البحر؟ هذا ما سنكتشفه في الجزء الثاني من الحلقة الثالثة من مذكرات امرأة سيئة السمعة، يوم الجمعة القادم على الساعة الـ8 مساء.


الحلقة 1: صرختي الأولى وسط القمامة !


الحلقة 2: تحرش “الفقيه” ومواجهة مرعبة مع “مول الشاقور”