موجز الأخبار

مذكرات امرأة سيئة السمعة – الحلقة 2: تحرش “الفقيه” ومواجهة مرعبة مع “مول الشاقور” !

مذكرات امرأة سيئة السمعة – الحلقة 2: تحرش “الفقيه” ومواجهة مرعبة مع “مول الشاقور” !

تنبيه هام:

هذه المذكرات غير مقتبسة من فيلم أو مسلسل. وغير مستوحاة من رواية أو قصة.

هي مذكرات غير موضوعية وغير محايدة، قد تكون حقيقية وقد تكون من وحي الخيال وأي تشابه بينها وبين الواقع فهو من محض الصدفة فقط.

وللإشارة، فإن هذه المذكرات للكبار فقط، وقد تتضمن محتوى قد لا يلائم الجمهور الناشئ وبعض الفئات المجتمعية.


 الحلقة 1: صرختي الأولى وسط القمامة !

الحلقة 2: تحرش “الفقيه” ومواجهة مرعبة مع “مول الشاقور” !

كانت أمي تحاول استعادة أنفاسها لتعود إلى غرفتها وتقوم بإرضاعي، وإذا بها تسمع صوت خطوات قادم من الخلف، التفتت لترى من هناك؟ أبصرت خيال شخص مظلم ذو قامة طويلة، كان قادما نحوها بخطوات ثابتة، توهّجت عيناها ذُعرا، وبدأت شفتاها ترتجف من شدة الخوف، منتظرة مصيرها المحتوم، كالغزالة التي تيقّنت أن مفترسها قد تمكّن منها، ولا تنتظر سوى أن ينقض عليها.

“لطفك يا سيدي ربي.. لطفك”، هكذا ظلت أمي تردد في قرارة نفسها وهي ترتجف كأوراق الشجر اليابسة في مهب الريح، في مشهد يحبس الأنفاس.

“الله يا لالة السعدية… الله الله يا سيدي ربي، أ مالك على هاد الحالة ؟”، خاطبها “سي بوشعيب” -أحد سكان الحي- بذهول واستغراب شديدين، لتجيبه أمي بنبرة انشراح، كأنها أٌفرج عنها من حكم إعدام، قائلة: “الله يا سيدي بوشعيب طيرتيها مني خلعة… الحمد الله على لطفك يا سيدي ربي، جابك ليا الله”.

سارع “سي بوشعيب” إلى مساعدة أمي على الوقوف بعد أن حملني بين ذراعيه، ثم وضعت أمي ذراعها على كتفه، وبخطوات متأنية نحو عمارة “مي الباتول”، لم يكف الرجل الطيب عن دعم أمي معنويا حتى تتناسى وجع الآلام، مهنئا إياها بقدوم المولودة تارة، وراجيا لها السلامة والعافية تارة أخرى، رغم أن نبرة صوته كانت تفوح فضولا عن سبب رجوعها في وقت متأخر من الليل. لكن الحالة التي كانت عليها أمي، كانت كفيلة بأن تؤجل كل تساؤلات “سي بوشعيب”.

وعند وصولهما، اتّكأت أمي على عتبة ردهة العمارة، وراح “سي بوشعيب” مهرولا لينادي “مي الباتول”، من أجل مساعدته على إيصال أمي “السعدية” إلى غرفتها فوق سطح العمارة وتخلد إلى فراشها.

طرق باب شقة “مي الباتول” بلطف، مناديا إياها بصوت خافت لمرات متعددة: “مي الباتول… وااا مي الباتول… سي بوشعيب هادا… وا عتقي عتقي”.

همّت “مي الباتول” مسرعة إلى فتح باب شقتها، ناسية أن تضع الوشاح على رأسها، فأطلت على “سي بوشعيب” بشعرها المنكوش كأن صعقة كهربائية أصابتها للتو، بينما ملامح وجهها كانت منكمشة يعتريها الذهول والاستغراب، متسائلة عن قدومه في ذلك الوقت حاملا بين يديه رضيعا: “أش بيك أسي بوشعيب فهاد الوقيتة؟ ومنين جاك هاد الرضيع؟”، مخاطبة إياه.

فأجابها: “عار الله إلا ما عتقيني، هادي راها البنية ديال لالة السعدية، تلاقيت بها طايحة فالخلا لي مور سور الدرب، شدها الوجع تما وولدات، راها التحت في الدروج، شدي ليا الرضيعة الله يجزيك بخير على ما نطلعها لبيتها”.

أمسكت بي “مي الباتول” وهي مفزوعة، تردّد متوسلة إلى الخالق عز وجل: “السلامة واللطف من عندك يا سيدي ربي… السلامة واللطف”، متابعة بصوت خافت: “واا سي بوشعيب… مطلعهاش لفوق، غير جيبها لعندي تبات معايا”.

عاد “سي بوشعيب” مسرعا إلى أمي وقام باللازم، وأدخلها إلى شقة “مي الباتول”، حيث وجدها تُعد الفراش والمستلزمات الضرورية لرعاية أمي في تلك الليلة.

وضعها فوق السرير وهي في حالة يرثى لها، ثم طلب من “مي الباتول” إن كانت في حاجة إلى أي مساعدة أخرى، فأجابته: “لهلا يخطيك وخلاص أسي بوشعيب… بارك الله فيك.. ربي ما يحطك فشي ضيقة ولا يوريك شي باس فهاد الدنيا”.

وفور أن خرج “سي بوشعيب” من الشقة، التفتت “مي الباتول” إلى أمي بنظرات حسرة وتألم، ثم خاطبتها باللوم والعتاب: “عاوتني درتيها يا ديك الصكعة؟؟… مازال سايرة تقلبي على داك المسخوط؟ أه؟؟.. و كون ماشي سي بوشعيب للي بعتو ليك سيدي ربي من السماء فداك الخلا والقفار؟ أه؟؟ كيف كانت غتّلا بيك هاد الليلة يا الزغبية؟ أه؟؟ جاوبيني؟؟”.

لم تكن أمي تقوى على الكلام، ولم تكن تفكر في شيء آخر سوى في أنا وفي إرضاعي، وكانت تمد بيديها مشيرة إلي، حيث كنت بين ذراعي “مي الباتول”… فتريثت الأخيرة قليلا، وكفت عن “النكير”، وإذا بتنهيدة من أعماقها تخرج زفيرا ملتهبا، قائلة: “استغفر الله العظيم… لا حول ولا قوة إلا بالله وخلاص… يا عوذو بالله من الشيطان الرجيم…”، فاتكأت لبضع دقائق بجانب أمي، منتظرة أن تستعيد أنفاسها لتعينها على إرضاعي.

وبعد لحظات، وضعتني بجانب أمي “السعدية” ثم ذهبت لإحضار المناشف وكل المستلزمات الضرورية للتخلص من بقايا الولادة وتنظيف آثارها العالقة بجسد أمي.

ظلت أمي تحدق إلي بعينيها الجميلتين البراقتين، وفيض من الدموع الهوامع يسيل على وجنتيها، كقطرات مطر تسقي شتائل التوت والرمان، وتنزل على ثغرها كأنها تنزل على بساتين الكرز وشقائق النعمان، بينما كنت أنا أرتوي بحليب ثديها الناهد، كما ترتوي الأرض البور بغيث السماء.

وكعادتها، سهرت “مي الباتول” على رعاية أمي طوال الليل إلى أن اطمأنت أن حالتها قد استقرت، وأنني في أمن وآمان وسط حضنها، فسألت أمي بابتسامتها الرقيقة، قائلة: “أش غادي تسمي هاد الغزيولة؟”. أجابتها :”سميرة أ “مي الباتول”… غنسميها سميرة”.

وفي خضم كل هذه اللحظات التي اختلطت فيها مشاعر الفرح بالحزن، كانت أمي تسرح بخيالها، تفكر في “مجيد”… نعم ! “مجيد” الذي بقدر ما سقاها الحنان وأذاقها طعم السعادة، كواها بنيران قسوته وطعنها بسكين الغدر، تاركا إياها تائهة ضائعة، كمركب بدون ربّان، لا تعلم ما إذا كانت ستنجو من بطش الأمواج وتصل إلى بر الأمان، أم سينتهي بها المطاف في أعماق مظلمة.

عودة “مجيد” كان حلما لازم أمي طيلة فترة حملها وحتى بعد ولادتي، ولم تكن تكتف فقط بالحلم والترجي، بل كانت تبحث عنه في كل الأحياء المجاورة وتسأل عنه في الدروب، جالت بين كل المدارس والأحياء الجامعية، لكن دون جدوى. وبالرغم من كل ذلك، لم تستسلم أبدا، وظلت تجوب المدينة طولا وعرضا، أملا في أن تلتقيه يوما ولو بالصدفة.

وما هي إلا أيام قليلة بعد ولادتي، حتى اشتدّ عودها وصار لزاما عليها العودة إلى أيام الكدح والمشقة، وإلى العمل وكسب القوت اليومي، فاستأنفت أمي أشغالها التي دأبت على الاسترزاق منها، من تنظيف وتصبين وكنس وتشطيب. وبجانب ذلك، قررت خوض تجربة جديدة وهي بيع الخبر و”الملاوي” وما جاورهما من العجائن والحلويات منزلية الصنع.

كانت تقوم بكل شيء في غرفتها، من عجن الخبز وإعداد “الملاوي” وبعض الحلويات الشعبية المعروفة آنذاك والتي لم تكن تتطلب الشيء الكثير من حيث المكونات والمقادير، فيما كانت تستعين بخدمات فرن “الحومة”، حيث كان يُطهى كل ما كانت تعده للبيع في اليوم الواحد، داخل عربة صغيرة بالقرب من المسكن، وأحيانا كانت تتجول بها في دروب “السويقات” حيث كانت حركة البيع تروج أكثر.

هكذا كانت أمي تتصارع مع كسب “القوت اليومي” دون أن تمد يدها إلى أحد. هكذا ظلت تعمل لسنوات بجد وشقاء لكسب الرزق الحلال بعرق جبينها، دون أن تملّ أو تكلّ، ودون أن تهمل أو تقصر في رعايتي والسهر على أن أعيش حياة آمنة، باذلة قصارى جهدها لإسعادي.

وبحكم قساوة الظروف التي مرت منها وتجرعت مرارتها طيلة حياتها، كانت أمي حريصة على أن تكون لي كالحارس الأمين، تحميني من شرور الدنيا وغدرها، كالناصح الأمين، ترشدني لما فيه الخير والصواب، وكشمس المعرفة، تنير بصيرتي وتُفتّح وعيي.

كانت أيضا حريصة على أن تحكي لي رويدا رويدا تفاصيل طفولتها البئيسة وظروف شبابها المأساوية، حتى أستوعب ماضيها الأليم وأواجه شبهة العار التي اكتوت بنيرانها.

مرت الشهور والسنوات، إلى أن صرت في سن السابعة، وكان الوقت قد حان لألتحق بالمدرسة كباقي أبناء جيلي، إلا أن الإكراهات والظروف التي كانت مطروحة آنذاك، حالت دون ذلك بحكم بعد المسافة.

وفي الوقت الذي كانت أمي تحاول جاهدة تدبّر الأمر، باحثة عن سكن قريب من المدرسة، أدخلتني إلى “المسيد” الكائن بالحي المجاور، كي أستأنس بأولى أبجديات القراءة والكتابة، وأتشبع بمبادئ الدين وأنا في سن مبكرة.

أتذكر جيدا ذلك اليوم الأول الذي رافقتني فيه والدتي إلى تلك البناية العتيقة، المنزوية في أحد دروب الحي المجاور. كانت أمي حريصة على أن أكون في حلة جميلة، مرتدية اللباس التقليدي المحافظ، ووشاح سميك يلف وجهي ورأسي.

كنت أعتقد أنني ذاهبة إلى مكان سأحس فيه بالأمان والطمأنينة، وإلى فضاء راسخ الأصول ووافر الظلال في التربية والتنشئة الصالحة. وإذا بي أُصدم من الوهلة الأولى، عندما التقينا الفقيه علال، صاحب لحية طويلة منكوشة يتخللها شيء من الشيب، معبس الوجه وتقاسيم محياه تنذر بالشر، استقبلنا في بهو مظلم تنبعث منه رائحة الرطوبة ويفوح رعبا وهولا، بالكاد أمضيت فيه اليوم الأول قهرا، والذي تُوج بذكرى سيئة ظلت محفورة في ذاكرتي إلى حدود الساعة.

في ذلك اليوم، طلب مني “الفقيه” علال -الذي كان يدّعي الورع، ويتقمص دور العفيف الشريف، والمرشد الفاضل- أن أجلس بالقرب منه، بحجة أنه سيحيطني ببركته ويرقيني من الشر والحسد.

وما هي إلا لحظات قليلة على انطلاق حصة التلاوة، ودخول الفقيه في حالة “خشوع هستيرية”، حتى سحبني إليه وأسندني على فخذيه، وبصوته الغليظ المزعج، كان يردد عاليا: “القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة….”، بينما كان هو يقرع مؤخرتي بقضيبه، حتى أصابني وخزه الشديد الغامر بالصدمة والذهول، أُغمي علي بسببها.

وبعد دقائق معدودة، استيقظت على وجه الفقيه المخيف، فنهضت مفزوعة، ثم هربت بأقصى سرعتي عائدة إلى أمي، لأحتمي في حضنها وأشكو لها فظاعة ما تعرضت له على يد الفقيه علال، بينما لم أكن أعلم أن صدمة العمر في انتظاري، وأني مقبلة على فاجعة ستقسم ظهري وأنا في عز طفولتي !

وصلت إلى العمارة، صعدت السلالم مسرعة متجهة نحو الغرفة التي كانت تأوينا، وإذا بي أجد الباب مفتوحا وأمامي مشهد مروّع للغاية… مشهد جعلني أتجمد كالصنم في مكاني، أحاول أن أستوعب حدثا كُتبت فصوله بمداد أحمر ونفّذها عديم رحمة… لقد وجدت أمي مستلقية على الأرض مضرجة في دمائها !

وما إن انهمرت دموع عيني سيولا، حتى وجدت أمامي رجلا ضخم الجثة، يحمل في يده “شاقور” كان يتقطّر دما، قال لي: “اليوم طيح روحك وتبعي مك”، صرخت بأعلى صوتي وهرعت بأقصى سرعة، هاربة من وحش آدمي كان مصمما أن يرديني قتيلة.

لم تدم المطاردة طويلا، واستطاع محاصرتي في أحد الدروب الضيقة، فقال لي: “كيسحاب ليك غتهربي مني؟؟”… كان قادما نحوي بخطوات متأنية، حاملا “الشاقور” عاليا، بينما كنت جامدة في مكاني والذهول يشع بريقا من عيني، منتظرة أن ينهال على رأسي بضربة قاتلة، في مشهد يحبس الأنفاس… لكن مفاجاة بُعثت إلي من حيث لا أدري ستقع حينها… فماذا حدث يا ترى ؟

ترقبوا الحلقة الثالثة من مذكرات امرأة سيئة السمعة، يوم الجمعة القادم على الساعة الـ8 مساءً !

ما هي ردة فعلك حول هذا المحتوى؟
Like
Love
Haha
Wow
Sad
Angry